
شحاته زكريا
حين تحولت الشاشات الصغيرة إلى منابر مفتوحة لكل من هب ودحب وفقدت الكلمة صمتها الوقور لتهبط إلى درك الصراخ اليومي صار من الصعب جدا أن تتبين صوت العقل وسط هذا الضجيج الهائل.
لم يعد المجتمع يواجه تحديات سياسية أو اقتصادية فحسب بل بات يخوض معركة أشد قسوة على الوعي الجمعي حيث تتسابق منصات التواصل الاجتماعي لختم كل قضية بصك براءة أو تهمة إدانة في ثوان معدودات إننا نشهد يوما بعد يوم تراجعا مقلقا لمنهج التفكر والروية لصالح ثقافة التريند العابر الذي لا يترك خلفه سوى الرماد.
التاريخ الإنساني لم يقم يوما على الأنقاض التي يصنعها الهدامون بل بنيت الحضارات بجهود البنائين الصامتين الذين يقضون أعمارهم لبنات متلاحمة في جدار الوطن.
الفارق الجوهري بين النقد البناء والتنمر الرقمي أو الصخب الافتراضي أشبه ما يكون بالفارق بينمشرط الجراح الذي يبحث عن موضع الداء ليعالجه وبين معاول الهدم التي تضرب الجدران دون مبالاة بمن يسكن تحتها.
النقد البناء يولد من رحم الغيرة الوطنية ويستند إلى المعرفة ويسعى إلى تقويم الاعوجاج بمسؤولية وأدب بينما يقتات الصخب على إثارة الغرائز وتضخيم الأخطاء وتحويل كل هفوة عابرة إلى محاكمة شعبية لا تخضع لأي معيار من معايير الإنصاف أو العدالة.
حين تفقد منصات النقاش بواباتها الأخلاقية تتحول إلى مسرحيات هزلية تدار بخوارزميات لا تعنيهم مصلحة وطن ولا كرامة إنسان بقدر ما يعنيها عدد النقرات وجني الأرباح من خلف إثارة النعرات وتسطيح القضايا الكبرى.
إن خطورة هذا الصخب الرقمي لا تتوقف عند حدود إزعاج السكينة العامة بل تتعداه إلى ترويع الكفاءات وإصابة أصحاب القرار بحالة من التردد خوفا من مقصلة التريند الظالمة مما يخلق بيئة طاردة لكل فكر مخلص أو عمل جاد.
وهنا تكمن المفارقة الموجعة: هل نسلم عقولنا لغوغاء الفضاء الرقمي أم نتمسك بمسافة آمنة من التعقل والتجرد؟إن بناء الأوطان لا يتم عبر الشاشات المضيئة ولا من خلال التعليقات العجولة التي تُكتب بانفعال لحظي.
الوطن يحتاج في هذه المرحلة الدقيقة إلى مساحة آمنة للتفكير الهادئ مساحة تفصل بين حرية الرأي المسئولة وبين فوضى التعبير المدمرة.
إن وعي المواطن هو الحصن الأخير فالمواطن الحقيقي هو الذي يمتلك شجاعة التوقف أمام الخبر قبل ترويجه، والقدرة على التميز بين من يطرح حلا حقيقيا لمشكلة عامة ومن يبحث عن مساحات شخصية للاستعراض وإثارة الجدل المجاني.
ختاما إن استعادة التوازن في خطابنا العام ليست رفاهية فكرية بل هي ضرورة وجودية لاستمرار الاستقرار وبناء المستقبل.
دعونا نتفق على أن نختلف بوعي، وأن ننتقد بحب وأن ندرك جميعا أن الكلمة أمانة ثقيلة إما أن ترفع صرحا أو تهدم وطنا إن الأوطان لا تدار بالعواطف الجياشة ولا بالصراخ المؤقت بل تصان بالوعي الرصين والعمل الصامت والقدرة على رؤية النور حتى في ألكساعات عتمة.