
بعد نكسة 1967، كانت إسرائيل تعيش نشوة الانتصار وتروج لنفسها كـ “أرض الميعاد”، وفي خضم موجات الهجرة، وصل شاب رث الثياب، يبدو عليه الانكسار والفقر، يُدعى “دافي كرينهال”. لم يدرك أمن المطار حينها أن هذا الشاب السوفيتي الملامح هو في الحقيقة المهندس المصري “أشرف الطحان”، والذراع الطولى للمخابرات العامة المصرية.
صناعة “الأسطورة”: الطعم الأول
بدأت الخطة في إحدى المزارع الإسرائيلية، حيث عاش “دافي” ثلاثة أشهر كعامل بسيط، حتى حانت لحظة “التنوير” المصطنعة. تظاهر دافي بالدخول في حالة من الغيبوبة الروحية (الترانس)، ليتنبأ أمام سيدة وابنتها بأن شخصاً يُدعى “ياروم بلونسكي” سيعتذر لهما قريباً.
لم يمر أسبوع حتى وصل خطاب اعتذار وشيك بمبلغ ضخم من “بلونسكي” (الذي كان عميلاً للمخابرات المصرية في أوروبا). كانت هذه الضربة الأولى التي جعلت سكان المزرعة يؤمنون بأن دافي ليس مجرد مهاجر، بل هو “عراف” مكشوف عنه الحجاب.
من المزرعة إلى صالونات النخبة
توالت “تنبؤات” دافي التي كانت تصيغها بدقة غرفة العمليات في القاهرة برئاسة الضابط “أمجد”. تنبأ بتعطل أكبر محراث في المزرعة (بعد أن تم تخريبه بفعل فاعل)، فذاع صيته حتى وصل لزوجة الجنرال “كوهين”، أحد قادة الجيش الإسرائيلي.
في حفلة ضمت نخبة المجتمع الصهيوني، استخدم دافي معلومة استخباراتية ذهبية سربها البطل “رأفت الهجان”، حيث فضح فساد زوج سكرتير وزير الصناعة تحت قناع “النبوءة”. عندما وقعت الفضيحة بعدها بيومين، أصبح دافي “مقدساً” في نظر القادة، لدرجة أن الموساد نفسه أخضعه لجهاز كشف الكذب، لكن تدريب أشرف العالي مكنه من خداع الجهاز ببراعة.
المهمة المستحيلة: تصوير قلب “برليف”
في عام 1973، أصبح دافي المقيم الدائم في فيلا الجنرال كوهين. وبذكاء شديد، ألقى نبوءة للجنرال بأنه سيقود خط برليف، وهو ما حدث بالفعل. وتحت دعوى “الحماية الروحية”، أقنعت زوجة الجنرال زوجها باصطحاب “العراف” معه إلى الخط المنيع ليتنبأ بمستقبله هناك.
دخل أشرف الطحان (دافي) حصون خط برليف بـ “سترة” صممتها المخابرات المصرية، تحتوي أزرارها على كاميرات دقيقة للغاية. بينما كان يتظاهر بالشرود الذهبي، كانت الكاميرا توثق أدق التفاصيل الهندسية والتحصينات الداخلية التي لا تظهر في صور الأقمار الصناعية.
ساعة الصفر والعودة للديار
بفضل الصور التي التقطها “العراف”، تمكنت القوات المسلحة المصرية من بناء نماذج محاكاة دقيقة لخط برليف والتدريب على اقتحامه. وفي سبتمبر 1973، صدرت الأوامر بالانسحاب. وبمساعدة شبكة “ماجي تورز” التابعة لرفعت الجمال، غادر دافي إسرائيل بجواز سفر مختلف متجهاً إلى روما، ومنها إلى القاهرة.
النهاية:
لم تكن مكافأة أشرف الطحان مالية فحسب، بل كانت إنسانية بامتياز؛ حيث نجحت المخابرات المصرية في لم شمله مع ابنة عمه “وفاء” التي فقدها لسنوات. وبعد أسبوع واحد من وصوله، اندلعت حرب أكتوبر، ليرى “العراف” نبوءته الحقيقية تتحقق: سقوط أسطورة الجيش الذي لا يقهر تحت أقدام خير أجناد الأرض.