
بقلم: نسرين التميمي باحث دكتوراه في الإرشاد النفسي – منتور حاصلة على PCC – عضو مجلس إدارة مبادرة 100 مليون صحة نفسية
لا تبدأ معظم الأزمات الزوجية بخلاف كبير، ولا تنهار العلاقات عادة بسبب موقف واحد عابر. ففي كثير من الأحيان، يبدأ الأمر باختلاف طبيعي في وجهات النظر، ثم يتحول تدريجيًا إلى حالة من العناد، يصبح فيها الهدف لم يعد الوصول إلى تفاهم، بل إثبات من المخطئ ومن المصيب، ومن الأقوى ومن سيتراجع أولًا.
وقد يكون العناد من الزوج أو الزوجة، فالمشكلة ليست مرتبطة بطرف واحد، وإنما بالطريقة التي يُدار بها الخلاف. لأن الاختلاف في حد ذاته أمر طبيعي، أما الخطر الحقيقي فيبدأ عندما يتحول الحوار إلى معركة، ويصبح التراجع هزيمة، والاعتذار ضعفًا، والتمسك بالموقف وسيلة لإثبات القوة.
مع تكرار هذا النمط، يبدأ أحد الطرفين أو كلاهما في فقدان شعوره بالأمان داخل العلاقة.
الأمان لا يعني غياب الخلاف
الزواج الصحي لا يعني أن يتفق الزوجان في كل شيء، ولا أن يعيشا حياة خالية من المشكلات. فالاختلاف جزء طبيعي من أي علاقة إنسانية. لكن الأمان الحقيقي هو أن يشعر كل طرف بأنه، حتى في لحظات الخلاف، ما زال محبوبًا ومحترمًا ومسموعًا.
أن تختلف مع شريكك وأنت مطمئن إلى أن هذا الخلاف لن يتحول إلى عقاب، أو تجاهل، أو تهديد بالرحيل، أو تشكيك في مكانتك داخل العلاقة.
فالحب وحده لا يكفي دائمًا لاستمرار العلاقة بصورة صحية. الإنسان يحتاج إلى الحب، لكنه يحتاج أيضًا إلى الطمأنينة. يحتاج إلى أن يشعر بأنه يستطيع التعبير عن غضبه وحزنه واعتراضه دون أن يخشى فقدان الطرف الآخر في كل مرة.
عندما يتحول العناد إلى أسلوب حياة
من أكثر السلوكيات التي تستنزف العلاقة مع الوقت: العناد المستمر، واختبار الحب، والصمت العقابي، والتجاهل المتعمد، وكثرة التهديد بالابتعاد أو الانفصال.
قد تبدو هذه التصرفات في لحظة الغضب مجرد رد فعل عابر، لكن تكرارها يحولها إلى نمط ثابت في العلاقة.
حين يضطر أحد الطرفين دائمًا إلى التساؤل:
هل ما زال يحبني؟
هل سيتركني بسبب هذا الخلاف؟
هل عليّ أن أتنازل دائمًا حتى لا أخسره؟
هل أصبح التعبير عن مشاعري خطرًا على العلاقة؟
هنا تبدأ العلاقة في فقدان أهم عناصرها: الشعور بالأمان.
فقد يبقى الحب موجودًا، لكن الثقة تبدأ في التآكل. وقد يستمر الزوجان معًا، بينما يعيش أحدهما في حالة دائمة من الحذر والخوف والترقب.
ليس المهم من انتصر في النقاش
في العلاقات الناضجة، لا يكون الهدف هو الانتصار على الطرف الآخر، بل الانتصار للعلاقة نفسها.
فقد يخرج أحد الزوجين من النقاش وهو يشعر بأنه أثبت وجهة نظره وانتصر، لكنه في المقابل يكون قد خسر جزءًا من ثقة شريكه، أو ترك داخله جرحًا يصعب تجاوزه.
أحيانًا، لا يكون التراجع عن الرغبة في الانتصار ضعفًا، بل يكون أعلى درجات الوعي العاطفي.
فالعلاقة الناجحة لا تحتاج إلى شخصين يتنافسان على من يملك الكلمة الأخيرة، وإنما إلى شخصين يدركان أن استمرار العلاقة أهم من كسب جولة مؤقتة.
التواصل الصحي.. مساحة للفهم لا للمواجهة
بدلًا من سؤال: من المخطئ؟
ربما نحتاج أحيانًا إلى سؤال أكثر أهمية: لماذا تأذى الطرف الآخر؟
وبدلًا من محاولة إثبات من الأقوى، يمكن أن يصبح الهدف هو فهم ما يشعر به الشريك، والوصول إلى حل يحفظ كرامة الطرفين وحقوقهما.
التواصل الصحي لا يعني أن نقبل كل شيء، ولا أن نتجاهل الأخطاء، ولا أن يتنازل أحد الطرفين باستمرار. لكنه يعني أن نعرف كيف نضع حدودًا دون تهديد، وكيف نعبر عن غضبنا دون إيذاء، وكيف نختلف دون أن نجعل الطرف الآخر يشعر بأن العلاقة كلها أصبحت على المحك.
التفاصيل الصغيرة تصنع الأمان
أحيانًا، لا تحتاج العلاقة إلى حلول معقدة بقدر حاجتها إلى بعض التفاصيل البسيطة.
كلمة طيبة قد تطمئن قلبًا قلقًا.
ووضوح صادق قد ينهي ساعات من التفكير والتخمين.
واحتواء في لحظة غضب قد يمنع خلافًا صغيرًا من أن يتحول إلى جرح كبير.
واعتذار صادق في الوقت المناسب قد يكون أقوى من مئات محاولات التبرير.
فالاحتواء لا يعني تجاهل الخطأ، كما أن الاعتذار لا يعني فقدان الكرامة، والتراجع عن العناد لا يعني الهزيمة.
بل إن النضج الحقيقي هو أن ندرك متى نتمسك بموقفنا، ومتى نتمسك بالشخص الذي أمامنا.
وفي النهاية…
الزواج ليس ساحة معركة لإثبات من الأقوى، بل شراكة تحتاج إلى الوعي والمرونة والنضج العاطفي.
ليس الهدف أن نخرج من كل خلاف منتصرين، بل أن نخرج منه ونحن ما زلنا قادرين على النظر إلى بعضنا بالمودة نفسها، والاستماع إلى بعضنا، وفهم بعضنا، والحفاظ على ما يجمعنا.
تذكر دائمًا:
الكلمة الطيبة تمنح الأمان، والوضوح يخفف القلق، والاحتواء يقوي العلاقة، أما العناد المستمر، واختبار الحب، والتهديد بالابتعاد، فقد تهدم بصمت شيئًا استغرق بناؤه سنوات.
ففي الزواج، لا يحتاج أحد إلى أن ينتصر على شريكه… بقدر ما يحتاج الاثنان إلى ألا يخسرا بعضهما.