كتبت د امل حسن
تحتل العلاقات المصرية السعودية موقعًا خاصًا في منظومة العلاقات العربية، ليس فقط بسبب عمقها التاريخي، وإنما أيضًا بسبب الثقل السياسي والاقتصادي والاستراتيجي الذي تمثله القاهرة والرياض في المنطقة. ولذلك فإن النظر إلى هذه العلاقة باعتبارها مجرد علاقة ثنائية بين دولتين عربيتين لا يعكس حقيقتها الكاملة؛ فهي علاقة تمتد آثارها إلى ملفات الأمن الإقليمي والاقتصاد العربي وأمن البحر الأحمر والقضايا السياسية الكبرى في الشرق الأوسط.
وجاءت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 سبتمبر 2026، ولقاؤه بالرئيس عبد الفتاح السيسي، لتؤكد استمرار التواصل السياسي المباشر بين البلدين، في توقيت تواجه فيه المنطقة تحديات متزايدة. وبحسب البيانات الرسمية المصرية والسعودية، تناولت المباحثات العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، إلى جانب عدد من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها أمن واستقرار المنطقة وأمن وحرية الملاحة البحرية.
علاقة تاريخية تتجدد وفق متطلبات المرحلة
العلاقات بين القاهرة والرياض ليست وليدة الظروف السياسية الراهنة. فقد تراكم عبر عقود رصيد واسع من التواصل السياسي والشعبي والاقتصادي والثقافي، جعل البلدين من أكثر الأطراف العربية حضورًا في القضايا الإقليمية.
لكن العلاقات الدولية لا تقوم على التاريخ وحده؛ فكل مرحلة تفرض أولوياتها. وما يلفت الانتباه في السنوات الأخيرة هو الاتجاه نحو إعطاء هذه العلاقة إطارًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا، بدل الاعتماد فقط على اللقاءات والاتصالات السياسية.
وفي هذا السياق، برز مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي كإحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد في تحويل العلاقات إلى برامج ومشروعات أكثر انتظامًا، خاصة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والسياسية والأمنية. وكانت القاهرة والرياض قد اتفقتا في أبريل 2025 على أهمية تدشين المجلس وتعزيز اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة.
الاقتصاد.. من التعاون إلى التكامل
في تقديري، يمثل الاقتصاد أحد أهم الاختبارات الحقيقية لمستقبل العلاقات المصرية السعودية.
فالحديث عن قوة العلاقات لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الزيارات أو البيانات السياسية، وإنما يجب أن يظهر في مشروعات مشتركة مستدامة، وزيادة التجارة والاستثمارات، وربط سلاسل الإنتاج والخدمات بين البلدين.
وهذا تحديدًا كان حاضرًا في مباحثات سبتمبر 2026؛ إذ اتفق الرئيس السيسي وولي العهد السعودي على تكثيف العمل لوضع إجراءات عملية لتطوير التعاون الثنائي وإزالة العقبات التي قد تعوق زيادة حجم التبادل التجاري والاستثماري.
وهنا تكمن فرصة مهمة: فالسعودية تمتلك قدرات استثمارية وتمويلية كبيرة، بينما تمتلك مصر سوقًا واسعة وقاعدة بشرية وصناعية وموقعًا جغرافيًا يربط بين إفريقيا وآسيا وأوروبا.
وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد انتقالًا تدريجيًا من مفهوم الاستثمار في مصر إلى مفهوم أوسع هو التكامل الاقتصادي المصري السعودي.
وهذا التكامل يمكن أن يأخذ أشكالًا متعددة، مثل الصناعة، والطاقة، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والنقل البحري.
البحر الأحمر.. مساحة مشتركة للمصالح
لا يمكن الحديث عن العلاقات المصرية السعودية في الوقت الراهن دون التوقف عند البحر الأحمر.
فمصر تملك قناة السويس وموقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية على البحر الأحمر، بينما تمثل المملكة أحد أهم الأطراف المطلة عليه. ومن ثم فإن أمن الملاحة في البحر الأحمر ليس قضية منفصلة عن المصالح الاقتصادية والأمنية للدولتين.
وقد أكدت مباحثات القاهرة الأخيرة حرص البلدين على أمن وحرية الملاحة البحرية، بما يشمل البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية في المنطقة.
ومن وجهة نظر تحليلية، فإن هذا الملف قد يصبح أحد أهم مجالات التعاون المصري السعودي خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع ارتباط أمن الملاحة بحركة التجارة العالمية والطاقة وسلاسل الإمداد.
التنسيق السياسي.. أهمية تتجاوز حدود البلدين
أهمية القاهرة والرياض لا تأتي فقط من علاقاتهما الثنائية، وإنما من تأثيرهما في الملفات العربية والإقليمية.
وخلال عام 2026، استمرت الاتصالات بين وزيري الخارجية المصري والسعودي حول ملفات مثل غزة والسودان وليبيا وسوريا ولبنان وإيران والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وهذا يعني أن التنسيق بين البلدين أصبح جزءًا من إدارة عدد من الأزمات الإقليمية، وليس مجرد بند في أجندة العلاقات الثنائية.
وفي هذا السياق، فإن قوة التشاور بين القاهرة والرياض يمكن أن توفر مساحة أكبر للتنسيق العربي، خصوصًا في القضايا التي تتطلب مواقف دبلوماسية متقاربة أو جهودًا مشتركة لخفض التصعيد.
هل العلاقات بلا تحديات؟
رغم الصورة الإيجابية التي تعكسها البيانات الرسمية، فإن العلاقات المصرية السعودية، مثل أي علاقة دولية، تواجه تحديات مرتبطة باختلاف الأولويات الاقتصادية والسياسية وتغير الظروف الإقليمية والدولية.
كما أن الانتقال من الاتفاقات إلى التنفيذ يحتاج دائمًا إلى آليات واضحة، وإجراءات أسرع، وبيئة استثمارية قادرة على تحويل الفرص إلى مشروعات فعلية.
ومن هنا فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها، وإنما بحجم ما يتحول منها إلى مشروعات واستثمارات وتجارة وفرص عمل وقيمة مضافة حقيقية.
المستقبل.. من الشراكة التقليدية إلى المصالح المتشابكة
المؤشر الأهم في العلاقات المصرية السعودية خلال المرحلة الحالية هو أنها تتحرك تدريجيًا نحو بناء شبكة مصالح أكثر تشابكًا.
فالسياسة تدعم الاقتصاد، والاقتصاد يعزز الاستقرار، والموقع الجغرافي للدولتين يخلق مصالح مشتركة في النقل والملاحة والطاقة، بينما يفرض الوضع الإقليمي استمرار التنسيق السياسي والأمني.
ولهذا فإن زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة في سبتمبر 2026 يمكن قراءتها باعتبارها حلقة جديدة في مسار طويل من التواصل، وليست حدثًا منفصلًا عن مسار العلاقات.
والأهم من الزيارة نفسها هو ما سيترتب عليها من خطوات عملية.
خلاصة الرأي
في تقديري، تمتلك العلاقات المصرية السعودية مقومات تجعلها واحدة من أكثر الشراكات العربية قابلية للتطور، لكن مستقبلها سيعتمد بدرجة كبيرة على القدرة على تحويل الرصيد السياسي والتاريخي إلى مشروعات اقتصادية وتنسيق مؤسسي ومصالح مشتركة طويلة الأجل.
فالقاهرة والرياض لا تجمعهما فقط روابط التاريخ والجغرافيا والعلاقات الشعبية، وإنما تجمعهما أيضًا مصالح استراتيجية في استقرار المنطقة، وأمن البحر الأحمر، وحركة التجارة، والاستثمار، والطاقة، والقضايا العربية.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام العلاقات المصرية السعودية ليس إثبات قوتها، وإنما تعظيم الاستفادة منها.
وإذا نجح البلدان في تحويل التقارب السياسي إلى تكامل اقتصادي ومشروعات مشتركة وتنسيق أكثر مؤسسية، فقد تصبح الشراكة بينهما نموذجًا مهمًا لكيفية بناء علاقات عربية تقوم على المصالح المتبادلة والاستقرار والتنمية، وليس فقط على ردود الفعل تجاه الأزمات.
وفي النهاية، تبقى قوة أي علاقة دولية مرتبطة بقدرتها على صناعة المستقبل، وليس فقط بالاحتفاء بتاريخها. والعلاقات المصرية السعودية تمتلك من المقومات ما يجعل مستقبلها، أكثر من ماضيها، هو المجال الأهم الذي يستحق المتابعة.
