
كتبت : نانسي شنوده
أعادت واقعة وفاة الطفلة بسملة، التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، الحديث مجددًا عن واحدة من أخطر القضايا الاجتماعية التي لا تزال تؤرق المجتمع المصري، وهي عمالة الأطفال وتعريضهم لمخاطر العمل والتنقل في سن مبكرة، خاصة حين تدفع الظروف الأسرية أطفالًا إلى أعمال تفوق قدراتهم الجسدية والنفسية
لم تكن بسملة في عمر يسمح لها بتحمل مشقة العمل أو مواجهة مخاطره؛ كان من المفترض أن يكون أكبر ما يشغلها هو المدرسة واللعب وأحلام الطفولة الصغيرة. وبحسب ما تم تداوله حول الواقعة، خرجت الطفلة للعمل من أجل مبلغ زهيد، في قصة مؤلمة اختُزلت فيها طفولتها بين الحاجة إلى المال ورغبة بسيطة في شراء ما تحب
طفلة كان من حقها أن تعيش طفولتها
بعيدًا عن حالة الغضب التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، فإن القضية الأهم لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة لشكل الأب أو الأم أو لطريقة تعبيرهما عن الحزن أمام الكاميرات؛ فالمظاهر وحدها لا تكفي للحكم على المشاعر أو تحديد المسؤولية.
السؤال الحقيقي هو: كيف وصل طفل لم يكمل عامه العاشر إلى بيئة عمل قد تهدد حياته؟ ومن المسؤول عن حمايته؟
فالطفل في هذه السن لا يملك القدرة القانونية أو النفسية على تقدير حجم المخاطر المحيطة به، ومن ثم فإن مسؤولية حمايته تقع أولًا على أسرته، ثم على كل من يشغله أو ينقله أو يستفيد من عمله، وكذلك على الجهات المختصة بتطبيق القوانين المنظمة لعمل الأطفال وحمايتهم.
شقيق شاهد ما لا ينبغي لطفل أن يراه
المأساة لا تتوقف عند وفاة بسملة وحدها، فهناك طفل آخر في الصورة؛ شقيقها الذي وجد نفسه أمام تجربة قاسية قد تظل عالقة في ذاكرته لسنوات.
مشاهدة طفل لفقدان شقيقته في حادث مأساوي ليست واقعة عابرة، وإنما تجربة قد تستدعي اهتمامًا نفسيًا واجتماعيًا متخصصًا، حتى يستطيع استيعاب ما حدث والتعامل معه بعيدًا عن آثار الخوف والصدمة.
وهنا تظهر ضرورة ألا يقتصر التعامل مع مثل هذه الحوادث على التعويضات المادية أو التغطية الإعلامية، بل أن يمتد إلى رعاية الأطفال الآخرين داخل الأسرة ومتابعتهم نفسيًا واجتماعيًا.
أين تنتهي الحاجة ويبدأ الاستغلال؟
لا يمكن إنكار أن الظروف الاقتصادية الصعبة قد تدفع بعض الأسر إلى الاستعانة بأبنائها في العمل، لكن الفقر لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتعريض حياة طفل للخطر.
وهنا يجب التمييز بين فهم الظروف الاجتماعية التي دفعت الأسرة إلى ذلك، وبين قبول النتيجة أو تبريرها.
فالطفل ليس موردًا اقتصاديًا للأسرة، ولا ينبغي أن يصبح جسده الصغير وسيلة للحصول على أجر يومي، خصوصًا في الأعمال الشاقة أو الخطرة أو التي تتطلب انتقال الأطفال بوسائل غير آمنة.
كما أن المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها؛ إذ يجب التحقيق في دور أصحاب الأعمال ومقاولي العمال وكل من شارك في تشغيل الأطفال أو نقلهم، وتحديد المسؤولية القانونية لكل طرف وفق ما تثبته التحقيقات، دون استباق نتائجها.
التعويض لا يجب أن يصبح نهاية القضية
من الطبيعي أن تحصل أسرة فقدت طفلًا على الدعم الذي تقرره الجهات المختصة، لكن تقديم المساعدة المالية لا ينبغي أن يحل محل التحقيق والمساءلة.
فالتعويض يعالج جانبًا من الآثار المادية للمأساة، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: كيف نمنع تكرارها مع طفل آخر؟
إذا كانت هناك مخالفات لقوانين حماية الطفل أو تشغيل الأطفال أو اشتراطات السلامة والنقل، فيجب أن تخضع للتحقيق، وأن تتم محاسبة المسؤول عنها وفق القانون، أيًا كانت صفته.
فالهدف ليس الانتقام من أسرة فقدت طفلتها، وإنما بناء منظومة تمنع أن تصبح حياة الأطفال ثمنًا للفقر أو الإهمال أو الاستغلال.
بسملة ليست مجرد خبر
بعد أيام قد تختفي صورة بسملة من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ويأتي خبر آخر وتتجه إليه الأنظار، لكن القضية التي تركتها خلفها يجب ألا تختفي معها.
هناك أطفال آخرون يستيقظون كل صباح للذهاب إلى أعمال لا تناسب أعمارهم، وقد يقطع بعضهم مسافات طويلة في ظروف غير آمنة، بينما يفترض أن يكون مكانهم الطبيعي بين أسرهم ومدارسهم.
لذلك فإن حق بسملة الحقيقي لا يقتصر على التعاطف معها بعد رحيلها، بل في أن تتحول قصتها إلى جرس إنذار حقيقي ضد عمالة الأطفال الخطرة، وأن تُراجع الجهات المختصة ظروف الواقعة كاملة، بداية من تشغيل الأطفال وطبيعة العمل، مرورًا بطريقة انتقالهم، ووصولًا إلى المسؤولية عن الحادث.
بسملة لم تكن عاملة صغيرة فقط.. كانت طفلة.
طفلة كان من حقها أن تستيقظ من أجل المدرسة، وأن تطلب من أسرتها ما تشتهيه دون أن تضطر إلى العمل للحصول عليه، وأن تعود إلى منزلها آمنة.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد انتهاء موجة الغضب هو:
كم «بسملة» أخرى تعمل الآن في صمت، قبل أن نتحرك لحمايتها؟