حصري:
بقلم: شحاته زكريا
طالما احتفظت الصحراء المصرية بأسرارها كأنها تحرس تاريخا موازيا لم يُكتب بعد. على مدار عقود طويلة كان الحديث عن الثروات المعدنية في بلادنا يُشبه حكايات التراث آمال عريضة معلقة على خرائط صامتة.
وأرقام تقديرية لاحتياطيات هائلة من الذهب والفوسفات والتلك والرمال البيضاء تتوارثها التقارير الحكومية جيلا بعد جيل دون أن يلمس المواطن أثرها في واقعه اليومي.
كانت المأساة التاريخية لا تكمن في شُح الموارد بل في فقر الرؤية الاقتصادية التي تعاملت مع الأرض بمنطق التاجر المتعجل الذي يكتفي بكسر الحجر ونقله على عجل إلى الموانئ لبيعه خاما بأبخس الأثمان ثم يقف في طوابير الاستيراد ليعيد شراء مشتقاته بأسعار تثقل كاهل الموازنة العامة بالعملة الصعبة هذا المأزق لم يكن مجرد خلل تجاري بل كان انحسارا في الإرادة الإنتاجية.
لذلك فإن القراءة المتأنية لما أُعلن في منتدى مصر للتعدين في نسخته الخامسة لا ينبغي أن تقف عند حدود الاحتفاء الدبلوماسي بالوفود أو الأرقام المجردة رغم دلالتها اللافتة فتقدم مائة وتسع عشرة شركة عالمية ومحلية بأكثر من أربعمائة عرض للمنافسة على مائة وثمانية عشر قطاعا استكشافيا يمثل شهادة ثقة في الاستقرار المؤسسي ويعكس جاذبية واضحة بعد سنوات من الجمود التشريعي.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الحراك لا تقاس بعدد الشركات المتقدمة ولا بمساحة الكيلومترات المربعة المطروحة بل بالإجابة عن سؤال بنيوي حاسم هل نمتلك الجرأة السياسية والاقتصادية لنغادر دائرة الاستخراج البدائي إلى رحاب التصنيع المتكامل؟ إن الطموح المعلن برفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 6% خلال السنوات المقبلة بعدما ظل يدور في فلك نسبة متواضعة لا تتجاوز الواحد بالمئة— يفرض تغييرا شاملاً في فلسفة إدارة الموارد.
الثروة لا تبدأ بخروج الخام من باطن الأرض بل تبدأ اللحظة التي يقرر فيها العقل الاقتصادي أن هذا الخام ليس للبيع في صورته الأولى.
خذ الفوسفات مثالا الفارق بين شحن صخور الفوسفات الخام إلى الخارج وبين تأسيس مجمعات متطورة لإنتاج حامض الفوسفوريك والأسمدة المركبة هو الفارق ذاته بين اقتصاد ريعي يعيش على هوامش الأرباح واقتصاد إنتاجي يبني سلاسل قيمة مضافة، ويوفر وظائف نوعية لأبنائه ويفرض نفسه كلاعب أساسي في أسواق الغذاء والطاقة العالمية.
الأمر نفسه ينطبق على الرمال البيضاء الممتدة في صحارينا إذ لا معنى لأن تظل هذه الكنوز تصدر بأطنان بخسة في وقت يدور فيه الصراع الدولي المعاصر حول الرقائق الإلكترونية وصناعات السيليكا المتقدمة والخلايا الشمسية.
إن تحويل هذه الخامات إلى صناعات وطنية للزجاج فائق النقاء وتوطين التكنولوجيا المرتبطة بها لم يعد ترفا استثماريا بل ضرورة لحماية أمننا الصناعي في عالم تتقطع فيه سلاسل الإمداد مع أول اضطراب جيوسياسي ولعل النضج الأبرز في مسار الإصلاح الأخير يتمثل في إعادة الاعتبار لأهمية المعلومة. فالتعدين في الألفية الثالثة لم يعد ضرباً من المغامرة التقليدية في الصحاري الوعرة بل صناعة شديدة الدقة تستند إلى المسح الجوي الجيوفيزيائي والخرائط الرقمية وقواعد البيانات الشفافة التي تحد من مخاطر الاستكشاف أمام رؤوس الأموال الجادة.
عندما تطرح الدولة أراضيها استناداً إلى بيانات علمية موثوقة فإنها لا تمنح المستثمر ترخيصا فحسب بل تبني معه شراكة متكافئة تحفظ حق الأجيال القادمة وتضع حدا لنماذج التعاقد البائدة التي كبلت القطاع لعقود غير أن مصارحة الذات تقتضي ألا نغرق في التفاؤل النظري دون إدراك حقيقي لحجم التحديات التي تنتظرنا في الميدان. إن المؤتمرات تنتهي والبيانات الرسمية تُطوى.
ويبقى الرهان معلقا على ما يجري بعد انطفاء أضواء القاعات .
المستثمر الأجنبي والمحلي على حد سواء لا تحركهما فقط حوافز القوانين ونصوص الإعفاءات بل تجذبهما بيئة عمل مرنة خالية من الروتين والبيروقراطية وتضارب الصلاحيات بين الجهات الحكومية. كما أن الطبيعة الجغرافية القاسية للمناطق التعدينية تضع الدولة أمام التزام حتمي بتوفير بنية تحتية ممتدة من خطوط طاقة مستدامة ومحطات تحلية مياه وشبكات نقل ولوجستيات تخفض تكلفة الإنتاج وتجعل المنتج النهائي قادراً على المنافسة دوليا يضاف إلى ذلك ضرورة حسم ملف التعدين العشوائي فالأمر يتجاوز فكرة ملاحقة المخالفين أمنياً إلى استيعاب هؤلاء المواطنين في أطر اقتصادية منظمة وشركات وطنية توفر لهم الحماية والسلامة المهنية وتمنع في الوقت ذاته هدر الاحتياطيات واستنزاف البيئة بمواد كيميائية مدمرة لقد فتحت مصر اليوم الباب أمام إعادة هندسة واحدة من أكثر ثرواتها إهمالا عبر التاريخ والرسالة التي يبعث بها الحراك التعديني الراهن واضحة في غايتها:
الأرض منحتنا نصيبنا من الكنوز والتاريخ لا ينتظر المترددين.
إن قيمة الأمم لا تُقاس بما تملكه في باطن أرضها من معادن وأحجار بل بما تملكه في عقول أبنائها من قدرة على تحويل المادة الصامتة إلى قوة إنتاجية وحضارية حية.
الثروة تبدأ من الاكتشاف نعم.. لكنها لا تكتمل إلا حين يتحول المنجم إلى مصنع ويصبح الخام عنوانا لسيادة وطنية حقيقية.
مصدركم الأول للأخبار — مصر الان.


