بقلم د.سارة مصطفي
مدرس التغذية وعلوم الاطعمه بكلية التربية النوعية جامعة عين شمس
هل يمكن أن تؤثر وجبتك اليوم في توازن البكتيريا داخل أمعائك، وبالتالي في صحتك غدًا؟
الإجابة: نعم، وبدرجة أكبر مما قد نتخيل.
داخل الجهاز الهضمي يعيش مجتمع ضخم من الكائنات الدقيقة يُعرف باسم الميكروبيوم المعوي (Gut Microbiome)، ويضم أنواعًا متعددة من البكتيريا والكائنات الدقيقة التي تتفاعل باستمرار مع الطعام الذي نتناوله ومع خلايا الجسم والجهاز المناعي.
غذاؤك لا يغذيك وحدك!
عندما نتناول الطعام، لا تستفيد خلايا الجسم فقط مما نأكله؛ بل تصل بعض مكونات الغذاء إلى البكتيريا الموجودة في القولون، خاصة الألياف الغذائية التي لا يتم هضمها بالكامل في الأمعاء الدقيقة.
وهنا تبدأ واحدة من أهم القصص داخل أجسامنا.
تقوم بعض بكتيريا الأمعاء بتخمير الألياف وإنتاج مركبات مهمة تُعرف باسم الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة مثل البيوتيرات والبروبيونات والأسيتات. وترتبط هذه المركبات بوظائف متعددة، من بينها دعم صحة خلايا القولون والمساهمة في تنظيم الاستجابة المناعية وعمليات الأيض.
إذن… هل الطعام يمكن أن يغيّر الميكروبيوم؟
بالتأكيد.
النظام الغذائي المتنوع والغني بالخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات والبذور يوفّر أنواعًا مختلفة من الألياف والمركبات النباتية التي يمكن أن تستفيد منها ميكروبات الأمعاء.
في المقابل، فإن الاعتماد المستمر على الأنظمة الغذائية منخفضة الألياف والغنية بالأطعمة فائقة التصنيع قد يرتبط بتغيرات في تركيب ووظائف الميكروبيوم.
لكن المهم هنا هو أن الميكروبيوم ليس كيانًا ثابتًا؛ فهو يتأثر بالنظام الغذائي ونمط الحياة والأدوية والعمر وعوامل أخرى، كما تختلف تركيبته من شخص إلى آخر.
وهل الميكروبيوم له علاقة بالوزن؟
هذه من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في أبحاث التغذية الحديثة.
توجد أدلة بحثية تشير إلى وجود علاقة بين الميكروبيوم وتنظيم الطاقة والتمثيل الغذائي والشهية والاستجابة للغذاء، لكن العلاقة معقدة، ولا يمكن اختزال زيادة الوزن في عبارة مثل: “لديك بكتيريا تخسّس وبكتيريا تزيد الوزن.”
فالوزن يتأثر بشبكة واسعة من العوامل تشمل كمية ونوعية الغذاء، النشاط البدني، النوم، الهرمونات، العوامل الوراثية والبيئة المحيطة.
كيف تعتني بميكروبيوم الأمعاء؟
القاعدة الذهبية ليست البحث عن منتج سحري، وإنما تنويع الغذاء.
اجعل طبقك يحتوي بصورة منتظمة على مصادر مختلفة من الألياف مثل الخضروات، الفواكه، البقوليات والحبوب الكاملة، مع تناول مصادر البروتين والدهون الصحية ضمن نظام غذائي متوازن.
وقد تكون بعض الأطعمة المخمرة مصدرًا للكائنات الدقيقة الحية، لكن تأثيرها يعتمد على نوع الغذاء وطريقة تصنيعه، وليس كل منتج مخمر بالضرورة “بروبيوتيك”.
وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم هي أن اختيارك للطعام لا يحدد فقط ما تحصل عليه أنت من العناصر الغذائية، بل يحدد أيضًا ما يصل إلى العالم الميكروبي الصغير الذي يعيش داخلك.
فكل وجبة هي، بطريقة ما، رسالة جديدة إلى ميكروبيوم أمعائك.
