
بقلم: شحاته زكريا
لكل حرب لحظة يخفت فيها هدير المدافع، لكن القليل منها يملك خارطة طريق لعودة الحياة. في غزة، لا يكمن التحدي الأكبر في التوصل إلى صيغة لوقف إطلاق النار، بل في الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحاً وتعقيداً: ماذا بعد أن تسكت المدافع؟
إن انتهاء العمليات العسكرية ليس نهاية المأساة، بل هو بداية لمسار أشد وعورة. فالحروب لا تخلّف وراءها ركاماً من الإسمنت والحديد فحسب، بل مجتمعاً أنهكته الفواجع، وأسراً فقدت المعيل، وجيلاً من الأطفال تشكّل وعيه تحت وطأة الخوف، وبنية تحتية ومؤسسية تتطلب إعادة إحياء شاملة. بناء الحجر مسألة وقت وتمويل، أما ترميم الوجدان الإنساني واستعادة الثقة فمعركة جيل بأكمله.
العقدة السياسية وإدارة المرحلة الانتقالية
لا يمكن اختزال احتياجات القطاع في فتح المعابر وإدخال الإغاثة؛ فالمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء وفرص العمل تظل رهينة غياب الأفق السياسي. إن حصر الحل في الشق الإنساني دون معالجة الجذور يجعل من أي تهدئة مجرد هدنة مؤقتة بين جولتين من الدمار.
يتطلب تفكيك هذا المأزق إجابات حاسمة حول ملفات المرحلة الانتقالية:
- الحوكمة والإدارة: تحديد الجهة المسؤولة عن إدارة الشأن العام وتقديم الخدمات الأساسية بكفاءة ومسؤولية.
- الترتيبات الأمنية: وضع ضمانات واضحة تمنع الانزلاق مجدداً إلى نقطة الصفر وتؤمن حياة المدنيين.
- الإطار الوطني: دمج غزة ضمن مشروع وطني فلسطيني جامع، ينهي حالة الانقسام السياسي ويعيد ترتيب الأولويات لخدمة استقرار المجتمع.
أبعاد المسؤولية: الأطراف والمجتمع الدولي
يقف الاستقرار المستدام على توازن دقيق بين التزامات الأطراف المختلفة:
- المسؤولية الفلسطينية: تتطلب اللحظة الراهنة تجاوز الحسابات الفئوية وصياغة رؤية موحدة تحمي المواطن وتضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار سياسي.
- المعادلة الأمنية الإسرائيلية: الأمن الدائم لا تصنعه القوة العسكرية وحدها، بل يتحقق عبر ترتيبات سياسية وأمنية عادلة تنهي مسببات الانفجار الدوري.
- الدور الدولي: لا ينبغي أن تقتصر المساهمة الدولية على التعهدات المالية، بل تمتد إلى وضع آليات رقابة وشفافية صارمة تضمن استدامة الإعمار وربطه بمسار تسوية شامل وموثوق.
الإنسان أولاً: جوهر السلام الحقيقي
ما قيمة تشييد منزل إذا كان ساكنه يترقب قصفه في أي لحظة؟ وما جدوى بناء مدرسة لا يضمن التلميذ وصوله إليها بأمان؟
إن جوهر الإعمار الحقيقي ينطلق من شعور الإنسان بالأمان واليقين بأن ما يُبنى اليوم لن يُهدم غداً. السلام لا يُقاس بعدد الأيام الخالية من القصف، بل بقدرة الناس على التخطيط لمستقبلهم دون خوف؛ فالهدنة توقف الرصاص، لكن الإرادة السياسية وحدها هي التي تمنع عودته.
غزة ليست مجرد ملف تفاوضي أو رقعة لصراع النفوذ، بل هي مجتمع من حقه الطبيعي أن يعيش في أفق مستقر ومستدام. الاختبار الحقيقي لا يقف عند حدود «كيف ننهي الحرب؟»، بل يتجاوزه إلى الفرضية الأهم: كيف نجعل السلام هو الخيار الوحيد القابل للحياة؟