
بقلم: شحاتة زكريا
حين بدأت مشروعات تطوير الريف المصري كان المشهد واضحا للعيان.
طرق جديدة تربط القرى ببعضها شبكات مياه وصرف صحي تمتد إلى مناطق طال انتظارها، مدارس ووحدات صحية ترفع كفاءتها ومرافق تعيد إلى الحياة اليومية قدرا كبيرا من النظام والكرامة.
كانت هذه المشروعات استجابة لاحتياجات حقيقية.ورسالة بأن التنمية لا ينبغي أن تظل حكرا على المدن الكبرى بل يجب أن تصل إلى كل قرية وكل بيت.. لكن التنمية بطبيعتها لا تتوقف عند حدود البناء. فالمباني يمكن أن تشيّد في سنوات أما الإنسان فلا يبنى إلا عبر مشروع طويل من التعليم، والتدريب، والثقافة، والعمل، وترسيخ قيم المسؤولية.
ولهذا يبدو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى: بعد أن تغير وجه الريف… هل حان الوقت لأن تتغير فرص الإنسان الذي يعيش فيه؟ لقد أثبتت التجارب التنموية في مختلف دول العالم أن البنية الأساسية ليست الهدف النهائي وإنما هي نقطة الانطلاق.
فالطريق لا يصنع اقتصادا بمفرده وإنما يفتح الطريق أمام الإنتاج. والمدرسة لا تصنع مستقبلا بجدرانها وإنما بما تقدمه من تعليم يحرر العقل ويطلق الطاقات.
والمركز الصحي لا يحقق رسالته إلا إذا ارتبط بثقافة الوقاية والوعي الصحي.
ولذلك فإن قيمة ما تحقق في الريف ستقاس في السنوات المقبلة بمدى قدرته على صناعة إنسان أكثر علما، وأكثر إنتاجا، وأكثر قدرة على المنافسة.. إن الريف المصري لم يكن يوما عبئا على الوطن بل كان أحد أهم مصادر قوته.
فمنه خرج المزارع الذي حفظ الأمن الغذائي والعامل الذي شارك في بناء المشروعات والمعلم، والطبيب، والمهندس، والمبدع.
لكن كثيرا من أبناء الريف اضطروا عبر عقود إلى مغادرة قراهم بحثا عن فرصة عمل أو تعليم أفضل أو خدمة أكثر جودة.
واليوم وبعد أن أصبحت البنية الأساسية أكثر تطورا يبرز تحد جديد: كيف نجعل الفرصة نفسها جزءا من الريف لا سببا للهجرة منه؟إن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة بناء الاقتصاد المحلي. فكل قرية تمتلك موارد يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة إذا أحسن استثمارها.
الزراعة تحتاج إلى التصنيع الزراعي والحرف التقليدية تحتاج إلى التسويق الحديث والشباب يحتاجون إلى التدريب على المهارات التي يطلبها سوق العمل لا إلى انتظار الوظيفة وحدها. فالتنمية التي تخلق فرصة عمل مستقرة أكثر تأثيرا من أي دعم مؤقت لأنها تمنح الإنسان القدرة على الاعتماد على نفسه وتفتح أمامه أبواب المبادرة والإبداع.. كما أن التعليم في الريف يحتاج إلى مرحلة جديدة لا تقتصر على توفير الفصول الدراسية بل تمتد إلى تطوير جودة التعلم.وربط المناهج بمتطلبات المستقبل وتشجيع الابتكار واكتشاف المواهب وتعزيز التعليم الفني والتكنولوجي.
فالعالم يتغير بسرعة والاقتصاد لم يعد يعتمد فقط على الأرض بل على المعرفة والمهارة والقدرة على التكيف مع المتغيرات.. ولا يقل الوعي المجتمعي أهمية عن كل ما سبق.
فالحفاظ على ما تحقق من تطوير مسؤولية مشتركة تبدأ من احترام الممتلكات العامة والالتزام بالنظام والمشاركة في المبادرات المجتمعية والعمل التطوعي وتنتهي بإيمان كل مواطن بأن التنمية ليست مشروعا تنفذه الدولة وحدها بل ثقافة يشارك الجميع في ترسيخها.. وللمرأة الريفية دور لا يمكن تجاوزه في هذه المرحلة. فهي شريك أساسي في بناء الأسرة وفي دعم الاقتصاد المحلي وفي نقل القيم إلى الأجيال الجديدة.
وكل خطوة نحو تمكينها بالتدريب، والتمويل، والتعليم، والرعاية الصحية هي خطوة نحو تنمية أكثر شمولا واستدامة.كما أن الشباب هم الرصيد الحقيقي لأي مشروع تنموي.
وإذا كانت الدولة قد وفرت البنية الأساسية فإن المطلوب الآن هو أن تتحول هذه البنية إلى منصة ينطلق منها الشباب نحو الإنتاج والابتكار وريادة الأعمال لا أن تظل مجرد خدمات تستهلك. فالمجتمعات تتقدم عندما تتحول الطاقات الكامنة إلى مشروعات والأفكار إلى فرص والطموحات إلى إنجازات.
إن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس بعدد الكيلومترات التي أُنشئت ولا بعدد المباني التي أُقيمت بل بعدد الشباب الذين وجدوا فرصة عمل كريمة وعدد المشروعات الصغيرة التي نجحت وعدد الطلاب الذين امتلكوا مهارات تؤهلهم للمستقبل وعدد الأسر التي أصبحت أكثر قدرة على تحسين مستوى معيشتها بجهدها وإنتاجها.. لقد كان تطوير الريف خطوة تاريخية تستحق التقدير لكنه ليس نهاية الطريق. فالأوطان لا يغيرها الحجر وحده وإنما يغيرها الإنسان الذي يعرف كيف يستثمر هذا الحجر، ويحوله إلى إنتاج، وعلم، وثقافة، وحياة أفضل.
ومن هنا فإن الرهان الحقيقي في السنوات القادمة لن يكون على بناء قرى أجمل فقط بل على بناء إنسان أكثر وعيا وأكثر قدرة على صناعة مستقبله.فالريف الذي تغيرت ملامحه يستحق أن تتغير معه فرص أبنائه.
وعندما يصبح الإنسان هو محور المرحلة الجديدة تتحول التنمية من مشروع عمراني إلى مشروع حضاري متكامل وتصبح الإنجازات أكثر رسوخا لأنها لا تبنى على الأرض وحدها بل تبنى في العقول والمهارات والضمائر.
وهناك فقط يمكن أن نقول إن التنمية حققت غايتها وإن بناء المكان كان بداية الطريق… أما بناء الإنسان فهو الضمان الحقيقي لاستمرار هذا الطريق.