
قصة الشاب اليمني عبسي عنتر القعقاع (30 عاماً) لتترك في النفوس غصة لا تزول.
عبسي لم يكن يبحث عن الشهرة، بل كان يطارد أثمن وأصعب ما في الوجود لقمة العيش الشريفة.
كان شاباً بسيطاً، تُخفي ابتسامته الدائمة وراءها جبالاً من الهموم وفقراً مدقعاً.
تزامنت قلة حيلته مع امتلاكه لموهبة ربانية فريدة؛ جسد مرن وقدرة خارقة على تسلق المرتفعات بطرق بهلوانية.
وفي محاولة بائسة لفتح باب رزق جديد، قرر تسلق فوهة “حرضة دمت” البركانية الشهيرة في اليمن، ونشر مقطع فيديو يوثق ذلك.
انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، وتحول عبسي فجأة إلى محط الأنظار تحت مسمى “سبايدر مان اليمن”.
لكن هذه الشهرة لم تكن نقمة فحسب، بل تحولت إلى فخّ قاتل؛ حيث استغل البعض حاجته الشديدة للمال، وبدأوا يطلبون منه النزول إلى أعماق الفوهة الوعرة لكتابة أسمائهم أو ذكرياتهم مقابل مبالغ زهيدة.
“معنديش حق معدات الأمان..”بهذه الكلمات المغسولة بكسرة العين، كان عبسي يجيب حين يُسأل عن سبب مغامرته بالموت دون حبال أو خوذة.
كان يقايض حياته حرفياً كل يوم مقابل بضعة آلاف من الريالات اليمنية يسد بها رمق جوعه.
مع زيادة خطورة المغامرات، بدأ الخوف يتسلل إلى قلب عبسي، وشعر بأن نهايته اقتربت.
لم يصمت، بل صرخ مراراً وتكراراً عبر فيديوهاته، مناشداً رجال الأعمال والمسؤولين:”أنا نفسي أبطل اللي بعمله ده وألاقي شغل.. لو حد عنده وظيفة كويسة أنا موجود”.
كان الجميع يكتفي بوضع “لايك” ومشاركة الفيديو، وكأنهم يشاهدون فيلماً سينمائياً، دون أن يمد له أحد يد المساعدة الحقيقية لإنقاذه من مقبرة البركان.
في المرة الأخيرة التي نزل فيها ليلبي طلب أحد الزبائن، خذلته قواه وانزلقت قدمه.
سقط عبسي في أعماق الفوهة أمام الكاميرات التي كانت توثق موته لا مغامرته.
لم تكن النهاية سريعة، بل كانت رحلة انتشال جثمانه قطعة من الجحيم ، حرارة خانقة تتجاوز 90 درجة مئوية،أبخرة كبريتية سامة تكتم الأنفاس ،ظلام دامس عقّد مهمة الإنقاذ البدائية.
بعد ساعات طويلة من الرعب والمحاولات المستميتة من شبان متطوعين، أُخرج جسد “حبيب الحرضة” ممزقاً ومشوهاً، ليموت في نفس المكان الذي صنع شهرته، وكأن البركان الذي أطعمه يوماً.. قرر أن يبتلع عمره في النهاية.
رحل العبسي.. وبقيت الحقيقة العاريةعبسي القعقاع لم يقتله السقوط، بل قتله الفقر، الخذلان، وجوع “التريند” الذي يقتات على مآسي الضعفاء.
مات وهو يصرخ، ولم يسمعه أحد إلا عندما ارتطم جسده بالقاع.
رحم الله عبسي، الشاب الشريف، وعوض شبابه الجنة، وألهم أهله الصبر والسلوان.﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، نسأل الله أن تكون معاناته في الدنيا رفعةً له في الآخرة.