في عالم السينما الساحر، تنبهر العيون ببريق الحفلات، وتمتد الأعناق نحو السجادة الحمراء لمتابعة النجوم وهم يحصدون الجوائز ويتبادلون عبارات الثناء والامتنان. غير أن خلف هذه الشاشات المتلألئة يقبع وجه آخر مظلم وقاسٍ؛ عتمة يقف فيها جنود مجهولون أفنوا أعمارهم ليضيئوا دروب الآخرين، بينما احترقوا هم في الظل.

وعلى رأس هؤلاء المنسيين يتوارى “الريجيسير”؛ ذلك العصب الخفي لصناعة الفن، الذي يجوب الشوارع في جوف الليل حاملاً “أوامر التصوير” والسيناريوهات إلى بيوت كبار النجوم، ليضمن استمرار دوران عجلة الإنتاج دون أن يتوقف نبضها لحظة واحدة.

إنه الرجل الذي يطوي المسافات طياً في صقيع الليالي ليطرق أبواب المشاهير، حاملاً في حقيبته مصائر الأدوار وبشائر الثراء والشهرة لغيره، بينما يعتصر أحشاءه جوع صامت. يوزع عقود الملايين، ولا يملك في جيبه أجرة سيارة تعيده إلى مسكنه، فيضطر لقطع أميال العودة سيراً على الأقدام في الهزيع الأخير من الليل، يقتات على الإعياء، دون أن يلتفت إليه أحد بوجبة دافئة أو حتى بإشارة امتنان عابرة في محفل تكريم لنجم كان هذا الكادح أحد صناع مجده.

لم يكن هذا الجوع مجرد خواء في الأمعاء، بل كان جوعاً إنسانياً للتقدير، وعوزاً مادياً سحق كرامة أصحاب هذه المهنة. ومن رحم هذا القهر، وُلدت واحدة من أكثر المآسي قتامة ودموية في تاريخ الفن المصري.

“متى باسيليوس”.. ريجيسير مصري كان واحداً من هؤلاء المطحونين على هامش الضوء. في لحظة يأس أطبق فيها الفقر على أنفاسه، وسوس له عقله المنهك بفكرة شيطانية؛ ظنّ أن الفنانة القديرة وداد حمدي، التي أمتعت الجمهور لعقود وتعيش بمفردها، لا بد أنها تكتنز في شقتها ثروة طائلة من المال والذهب. صوّر له وهمه أن اقتحام منزلها هو طوق النجاة الوحيد من بؤسه المدقع.

تسلل إلى شقتها، وأزهق روحاً بريئة طالما رسمت البسمة على وجوه الملايين، ليصطدم عقب جريمته بالحقيقة الفاجعة التي صعقت الجميع: لم يجد الجاني في مسكن الفنانة الراحلة سوى بضعة جنيهات لا تسمن ولا تغني من جوع، وجهاز “راديو ترانزستور” قديم!

لقد اغتالها الجوع، واغتالتها الخديعة الكبرى بأن أضواء الفن تمنح الجميع الثراء؛ ليتكشف المشهد عن حقيقة مرة: الضحية والجلاد كانا معاً ضحايا لمنظومة قاسية، تستهلك أبناءها في الكواليس ثم تلفظهم دون رعاية أو أمان.

أُسدلت ستائر المحاكم بتنفيذ حكم القصاص العادل بإعدام “متى باسيليوس”، لكن السؤال الإنساني لا يزال مشرعاً كجرح غائر في ضمير الوسط الفني: كم من ريجيسير، وعامل، وفني خلف الكاميرات، يقطع الشوارع في ليلتنا هذه سيراً على الأقدام لأن أجرة المواصلات تفوق طاقته؟ وكم من نجم يعتلي منصات التتويج اليوم، وقد سقط من ذاكرته ذلك الرجل الذي طرق بابه في الثالثة فجراً ليمنحه الدور الذي صنع أسطورته؟

إن الفن الحقيقي لا يُقاس بما يُعرض على الشاشات فحسب، بل بالقيمة الإنسانية والعدل الذي يسود كواليسه. وستظل دماء وداد حمدي، والمصير المأساوي لمتى باسيليوس، جرس إنذار يدوي في الآذان؛ ليذكرنا بأن القهر والعوز قادران، في أحلك الليالي، على تحويل صناع البهجة إلى ضحايا وجناة.