
د. عبدالرحمن سلام | مدير وحدة أعمال، قطاع الأدوية والرعاية الصحية
قبل سنوات، كان المدير يقضي جزءاً كبيراً من وقته في البحث عن المعلومات، مراجعة التقارير، متابعة التفاصيل، وانتظار البيانات التي تساعده على اتخاذ القرار.
اليوم تغير المشهد.
البيانات أصبحت متاحة بصورة أسرع، وأدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تحليل كميات ضخمة من المعلومات، اكتشاف الأنماط، وتقديم توقعات تساعد الإدارة على رؤية احتمالات لم تكن واضحة من قبل.
لكن هذا التطور يطرح سؤالاً إدارياً أكثر أهمية من سؤال: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟
السؤال هو: من يملك القرار عندما تصبح الآلة قادرة على تحليل المعلومات أسرع من الإنسان؟
الإجابة لا يجب أن تكون أن المدير يتراجع لصالح التكنولوجيا.
دور المدير يتغير.
في بيئة الأعمال الحديثة، لم تعد قيمة المدير مرتبطة بقدرته على جمع المعلومات بنفسه. قيمته أصبحت مرتبطة بقدرته على تفسيرها، وضعها في سياقها الصحيح، ثم اتخاذ قرار يتحمل مسؤوليته.
قد تخبرك البيانات أن منتجاً معيناً يتراجع في منطقة ما. وقد تستطيع الخوارزميات اكتشاف هذا التراجع قبل أن تلاحظه الإدارة من خلال التقارير التقليدية. لكن البيانات وحدها لا تعرف دائماً لماذا حدث ذلك.
-
هل تغير سلوك العملاء؟
-
هل ظهر منافس جديد؟
-
هل حدث خلل في التوزيع؟
-
هل المشكلة في السعر؟
-
هل تغير أداء الفريق؟
-
أم أن هناك عاملاً في السوق لا يظهر في البيانات المتاحة؟
هنا يظهر الفرق بين استخدام التكنولوجيا وإدارة التكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد المدير في الوصول إلى المعلومات وتحليلها بسرعة. لكنه لا يعفيه من مسؤولية الحكم على القرار أو فهم تأثيره على الناس والسوق والشركة.
وهذا مهم بشكل خاص في قطاع الأدوية والرعاية الصحية، حيث ترتبط القرارات التجارية بسوق شديد الحساسية، وتتحرك فيه الشركات وسط متطلبات تنظيمية، واحتياجات مهنية، وسلوكيات مختلفة للأطباء والصيادلة والمؤسسات الصحية.
لذلك، فإن الإدارة في 2026 تحتاج إلى معادلة جديدة.
بيانات أكثر، لكن ليس بالضرورة قرارات أكثر.
تحليل أسرع، لكن ليس بالضرورة حكماً أفضل.
أدوات أقوى، لكن مسؤولية بشرية أكبر.
المدير الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي فقط لتسريع المهام القديمة قد يحقق بعض الكفاءة، لكنه لن يستفيد من التحول الحقيقي.
القيمة الأكبر تظهر عندما يعيد المدير تصميم طريقة العمل نفسها.
-
ما القرارات التي يمكن أن تعتمد على البيانات؟
-
ما القرارات التي تحتاج إلى خبرة بشرية؟
-
أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقترح؟
-
وأين يجب أن يظل القرار النهائي بيد الإنسان؟
هذه الأسئلة ستصبح جزءاً أساسياً من عمل المدير خلال السنوات القادمة.
وتشير اتجاهات الإدارة في 2026 إلى أن المؤسسات لا تبحث فقط عن قادة يجيدون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل عن قادة يستطيعون دمج التكنولوجيا مع مهارات التفكير، والتكيف، واتخاذ القرار. وتظهر أبحاث حديثة أن إعادة تصميم العمل حول التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي أصبحت قضية إدارية بحد ذاتها. (Deloitte)
المستقبل الإداري لن يكون منافسة بين الإنسان والآلة.
المنافسة الحقيقية ستكون بين مدير يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا لرفع جودة قراره، ومدير يكتفي باستخدامها لتسريع ما كان يفعله بالأمس.
التكنولوجيا تستطيع أن تعطيك إجابة أسرع.
لكن المدير هو من يحدد السؤال الذي يستحق أن يُطرح.
وهنا ستظل قيمة الإدارة الحقيقية.
د. عبدالرحمن سلام
مدير وحدة أعمال، قطاع الأدوية والرعاية الصحية
ماجستير إدارة الأعمال