في صفحات تاريخنا المصري المنسية، سطور كُتبت بعرق الجبين وقوة السواعد، أبطالها رجال لم يعرفوا المستحيل، عُرفوا باسم “المتارة”. هؤلاء العمال الذين غادروا قراهم وتركوا بيوتهم، متوجهين نحو صحاري غرب الإسكندرية ومرسى مطروح، ليس للنزهة، بل لحفر الترع “بالمتر”، فصار الاسم وساماً على صدورهم وتاريخاً يروي قصص الكفاح.
زاد الغربة.. “البتاو” رفيق الصبر
لم يكن “المتارة” يحملون في حقائبهم ما لذ وطاب، بل كان زادهم يعكس بساطة الحياة وقسوة المشوار. كانت الأمهات والزوجات يخبزن لهم “البتاو المردد”، يُحمص نص تحميص ليكون قادراً على الصمود أمام الزمن وعوامل الجو طول فترة “الترحيلة”.
- الزاد الأساسي: ملح بشطة، سكر، وشاي.
- عطايا الخير: إذا جاد الزمان، كانت تظهر “قطعة جبنة قديمة” أو “قليل من المش”، لتعتبر وليمة ملوكية في قلب الصحراء.
- الطبقة: هكذا كان يسمى نظام تخزين الخبز؛ حيث تُطبق كل ثلاث “بتاوات” للنصف ثم الربع، وتوضع بعناية في “شوال الخيش” الخاص بالغلة، لتكون هي السند والمدد.
رحلة الوداع.. من القرية إلى المجهول
كان مشهد الرحيل مؤثراً، تمتزج فيه دموع الأهل بدعوات التوفيق. يجمعهم “المقاول” من قلب القرية، يتقدمهم هو على دابته المجهزة بـ “البردعة واللجام”، وخلفه طابور العمال “المتارة” يسيرون بعزم نحو محطة القطار، في رحلة قد تطول لأسابيع أو شهور.
العودة.. أجساد منهكة وأرواح شامخة
عندما تنتهي المهمة، يعود هؤلاء الرجال وصورتهم تحكي الكثير؛ وجوه لفحتها الشمس، وأجساد نال منها الإعياء والتقشف. يحكون في سهراتهم كيف كان يشتد عليهم الجوع في أواخر أيام الترحيلة، حتى لا يجدوا إلا “فتات البتاو”، وكان المحظوظ بينهم هو من يملك “ذرة ملح” ليغمس بها ما تبقى من خبزه، حامداً شاكراً فضل الله.
دروس في الرضا وعزة النفس
إن تاريخ “المتارة” ليس مجرد قصة عن حفر الترع، بل هو درس في:
- عزة النفس: كف اليد عن السؤال رغم ضيق ذات اليد.
- قوة العزيمة: العمل الشاق في ظروف مناخية وجغرافية قاسية.
- الرضا: القناعة بالقليل والامتنان للنعم البسيطة.
رحم الله رجالاً كدوا واجتهدوا من أجل لقمة العيش الحلال، وبنوا بسواعدهم أساسات من الخير والبركة في ربوع مصر. سيبقى ذكرهم محفوراً في وجداننا، وتاريخهم فخراً لكل من يعرف قيمة العرق والكدح.
موقع مصر الآن – نبض الشعب وتاريخه