
على مدار أكثر من عشرين عاماً، ظل اسم بريت ماكغورك ثابتاً في معادلة السلطة الأميركية، متجاوزاً الانقسامات الحزبية العميقة في واشنطن. فمنذ عهد جورج دبليو بوش وصولاً إلى ولاية بايدن، نُظر إلى ماكغورك كواحد من أكثر الشخصيات تأثيراً في صياغة القرارات المعقدة تجاه منطقة الشرق الأوسط، وهو ما دفع مجلة “فورين بوليسي” لوصفه في تقرير موسع بأنه “الرجل الذي شكّل رؤية واشنطن للمنطقة”
.البداية من بغداد: الصعود والعثرات
بدأت رحلة ماكغورك الفعلية بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث انضم إلى الفريق الأميركي في بغداد كمستشار قانوني.
ولم يقتصر دوره على الجوانب القانونية، بل كان فاعلاً في وضع خطة “زيادة القوات” الشهيرة (The Surge) عام 2007، والتي أرسلت بموجبها واشنطن 30 ألف جندي إضافي للعراق.
إلا أن مسيرته واجهت اختباراً عسيراً في عام 2012؛ فحينما رشحه الرئيس باراك أوباما لمنصب سفير الولايات المتحدة في العراق، اصطدم بمعارضة شرسة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، وعلى رأسهم الراحل جون ماكين.
انتقده المعارضون بشدة بسبب قربه من رئيس الوزراء العراقي آنذاك، نوري المالكي، مما أجبره على سحب ترشيحه في لحظة بدا فيها أن مستقبله السياسي قد انتهى.
“الأداة المتعددة” ومواجهة تنظيم داعش
لم يدم غياب ماكغورك طويلاً، فقد أعاده أوباما إلى المشهد نائباً لمساعد وزير الخارجية لشؤون العراق وإيران. وفي تلك الفترة، ومع تمدد تنظيم “داعش”، وصفه وزير الخارجية الأسبق جون كيري بأنه “أداة متعددة الاستخدامات”، لقدرته الفائقة على إيجاد حلول للأزمات المستعصية.ومع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، حافظ ماكغورك على موقعه لمواصلة قيادة جهود مكافحة “داعش”.
لكن نقطة التحول جاءت في ديسمبر 2018، حين قرر ترامب فجأة سحب القوات الأميركية من سوريا.
اعتبر ماكغورك هذا القرار تخلياً عن الحلفاء السوريين، وقرر تقديم استقالته، مقتفياً أثر وزير الدفاع آنذاك جيم ماتيس.

ملفات شائكة: من الرهائن في طهران إلى هدنة غزةيُحسب لماكغورك دور مِحوري في الدبلوماسية السرية والصفقات المعقدة؛ ومن أبرز نجاحاته تأمين إطلاق سراح مراسل “واشنطن بوست” جيسون رضائيان وثلاثة أميركيين آخرين من سجون إيران عام 2016، عبر صفقة مالية وسياسية معقدة تزامنت مع الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة.وفي سنواته الأخيرة مع إدارة بايدن، قاد ماكغورك جهوداً دبلوماسية مكثفة في ملف غزة.
وبحسب التقارير، ساهم في صياغة اتفاقات وقف إطلاق النار التي توجت في أكتوبر 2025 باتفاق شامل شمل تبادل الرهائن، قبل أن يقرر مغادرة البيت الأبيض نهائياً مع مطلع عام 2025.
ما بعد البيت الأبيض:
من السياسة إلى الاستثمار والإعلام بعد رحلة حافلة بالاضطرابات والحروب والاتفاقات، اختار ماكغورك الانتقال إلى القطاع الخاص، حيث انضم إلى شركة رأس المال الاستثماري “لوكس كابيتال” (Lux Capital) كشريك، تزامناً مع ظهوره المتكرر كمحلل للشؤون الدولية على شبكة “سي إن إن”.
تظل مسيرة بريت ماكغورك تجسيداً لواقع السياسة الأميركية؛ حيث تختلط الدبلوماسية بالواقعية السياسية (Realpolitik)، وحيث يبقى “رجل المهمات الصعبة” حاضراً دائماً، مهما تغيرت هوية الساكن في البيت الأبيض.