حصري:
بقلم: شحاته زكريا
إذا أردت أن ترى مصر كما هي حقاً، فلا تفتح نشرات الأخبار الرسمية، ولا تقرأ تقارير التعبئة والإحصاء التي ترصد معدلات التضخم وأعداد السكان ومؤشرات البطالة. الأرقام الرسمية كائنات محافظة وبطيئة، تأتي متأخرة دائماً عن حركة الشارع، وتلتقط فقط ما يُسجّل في الدفاتر الحكومية.
لكن الحقيقة التي يعرفها كل من يمشي في شوارع هذا البلد — من أحياء القاهرة المزدحمة إلى أعمق قرى الدلتا والصعيد — هي أن ثمة زلزالاً هادئاً ضرب نسيج الحياة اليومية وطريقة تفكير الناس دون أن ترصده استمارة بحث واحدة.
من مجتمع “الكاش” إلى اقتصاد الشاشات
انظر مثلاً إلى محفظة المواطن العادي؛ لقرون طويلة كانت مصر مجتمعاً نقدياً بامتياز، يرتاب في كل ما هو ورقي أو بنكي، ويعتبر الجنيه الذي لا يلمسه بيده وهماً.
اليوم، تجلس أمام بائع فاكهة في سوق قروي أو كشك صغير بجوار محطة قطار، فتجده يعلق لافتة صغيرة مكتوباً عليها رقم هاتف أو رمز استجابة، ويقول لك ببساطة: «حوّل على المحفظة».
هذه النقلة لم تصنعها قرارات وزارية، بل فرضتها حاجة الناس إلى تدبير أمورهم بسرعة ودون وسيط:
الشاب الذي يستقل الميكروباص بات يحسب تكلفة مشواره بالقرش عبر التطبيقات.
الأسرة التي تشتري احتياجات الشهر تقتنص العروض وتدير ميزانيتها مباشرة من شاشة الهاتف.
تحول سلوك الاستهلاك من الفوضى والاعتياد إلى الحسابات الدقيقة؛ فلم يعد أحد يشتري لمجرد الشراء، بل خُلقت ثقافة البدائل والترشيد كنمط حياة دفاعي لم يدخل بعد في أي جدول اقتصادي يصف عادات المستهلكين.
الهجرة الرقمية وسقوط حلم “الميري”
التغير الأعمق والأخطر لا يسكن الجيوب، بل يسكن العقول. خذ مثلاً عالم “الوظيفة”؛ لعقود طويلة كان الحلم المصري الأكبر هو “الميري” — ذلك المقعد الوظيفي الهادئ الذي يضمن لصاحبه معاشاً وأماناً حتى لو كان دخله لا يكفي أسبوعين.
اليوم، اسأل شاباً في العشرين من عمره في أي كفر أو مركز ناءٍ: ماذا تريد أن تعمل؟
لن يقول لك موظفاً في إدارة حكومية. ستجده يجلس في غرفته ليلاً أمام شاشة حاسوب متواضع يمارس ما يمكن تسميته «الهجرة الرقمية»؛ يكتب أكواداً برمجية لشركة في دبي، أو يصمم إعلاناً لمتجر في الرياض، أو يحرر فيديو لمنصة في أوروبا، ويقبض رزقه بعملة حرة وهو جالس بين أهله دون أن يغادر عتبة بيته.
هؤلاء لا وجود لهم في دفاتر التأمينات الاجتماعية، ولا يظهرون في طوابير مكاتب العمل، لكنهم كسروا جدار العزلة الجغرافية والطبقية، وصنعوا لأنفسهم اقتصاداً موازياً حراً يعيل عائلات بأكملها.
ثورة المعرفة وسقوط المصدر الواحد
حتى التعليم — تلك القلعة التي يئن تحت وطأتها كل بيت مصري — يعيش ثورة صامتة لا تعترف بها دفاتر وزارة التعليم:
الطالب اليوم لم يعد أسيراً لسبورة الفصل ولا حتى لمذكرة “أستاذ السنتر”؛ إنه يسأل أدوات الذكاء الاصطناعي ويطلب منها شرح أعقد المسائل في ثوانٍ معدودة.
يشاهد محاضرات مفتوحة على منصات عالمية ويتعلم اللغات بضغطة زر.
سقطت قدسية المصدر الواحد للمعلومة، وتحول الجيل الجديد من متلقٍ سلبي يملى عليه ما يحفظه للامتحان، إلى باحث مراوغ يعرف كيف يصل إلى ما يريد بأقصر الطرق.
هذا الانفتاح لم يطور فقط مهاراتهم، بل غير علاقتهم بالسلطة المعرفية برمتها؛ لم يعد الصغير يصدق الكبار لمجرد أنهم كبار، بل يختبر كل فكرة، ويناقش كل مسلّمة، ولا يقتنع إلا بالدليل القاطع.
من “المستجدي” إلى “صاحب الحق”
أما علاقة المواطن بالخدمة الحكومية والشارع، فقد تبدلت هي الأخرى تبدلاً لا رجعة فيه:
المواطن الذي كان يرضى بالانتظار لساعات أمام شباك الموظف البيروقراطي، ويتحمل عبارة «فوت علينا بكرة» باستسلام مطيع، أصبح اليوم يحمل في جيبه أداة ضغط لا ترحم: كاميرا الهاتف وصفحات التواصل الاجتماعي.
صار يطالب بحقه بروح مختلفة، ينتقد التقصير علناً، ويشعر بأن صوته قادر على الوصول إلى أعلى مسؤول في الدولة إذا وثّق مظلمته بدقة.
إنه تحول نفسي هائل من موقع “المستجدي” للخدمة إلى موقع “صاحب الحق” الذي لا يقبل الإهانة ولا يرضى بالتردي.
تصنع هذه التغيرات المتراكمة تحت السطح مواطناً مصرياً جديداً لا تشبه ملامحه تلك الصورة النمطية القديمة المطبوعة في أذهان الباحثين والمخططين؛ إنه أكثر واقعية، أقل خضوعاً للأوهام، شديد البراغماتية في تدبير رزقه، وحذر جداً في منح ثقته.
إن الخطر الحقيقي الذي يواجه أي سياسة عامة اليوم هو أن تظل تبني خططها على مصر التي كانت في السجلات، متجاهلة مصر التي تشكلت بالفعل في الشارع، وعلى الشاشات، وفي تفكير شبابها. إننا أمام مجتمع يسبق قوانينه، ويصنع حلوله البديلة في الظل، وينتظر من عاصمته أن تدرك أنه تغير، وأن قراءة مستقبله تتطلب النزول من أبراج الإحصاءات الجافة إلى تفاصيل المعيشة الحية التي يعيد الناس كتابتها كل صباح بأناملهم وعرقهم.
مصدركم الأول للأخبار — مصر الان.
