
القاهرة – قسم التحقيقات التاريخيةلم يكن أحد من جمهور ثلاثينيات القرن الماضي يتخيل أن الوجه البشوش الذي شارك “علي الكسار” و”نجيب الريحاني” صخب الضحك، يخفي خلفه واحدة من أكثر القصص دموية وغموضاً في تاريخ الفن المصري.
هي بهيجة المهدي، أو “هنريت كوهين”، المرأة التي جمعت بين فتنة الأضواء، سطوة المال، ونهاية سريالية صِيغت خيوطها بين المصحات العقلية وغرف التعذيب السرية.
من حارة اليهود إلى بلاتوهات الشهرةولدت هنريت في الإسكندرية عام 1911 لأب من أعيان الطائفة اليهودية، ونشأت في رغد من العيش قبل أن ينتقل طموحها إلى القاهرة.
بملامحها الأرستقراطية وثقافتها الواسعة، حجزت لنفسها مكاناً في فرقة “فاطمة رشدي”، متبنيةً اسم “بهيجة المهدي” كاسم فني.زواجها من المليونير اليهودي “إيلي درهي” كان المنعطف الأول؛ حيث رحل الزوج تاركاً لها ثروة خرافية جعلت منها “أغنى فنانة في مصر”، وهو ما مكنها من العيش في قصر باذخ صار لاحقاً بؤرة لأبشع الأساطير الحضرية في مصر.
الهروب الكبير و”لعنة القط الأسود”عقب حرب 1948، غادرت بهيجة مصر في ظروف غامضة، محولةً ثروتها بالكامل إلى سبائك ذهبية هُربت إلى تل أبيب. هناك، خلعت رداء الفن لترتدي ثوب “سيدة الأعمال” الغامضة.لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، ففي عام 1974، سقطت بهيجة في براثن الذهان.
بدأت تصرخ من ملاحقة “قط أسود” يتحدث إليها، وانتهى الأمر بمذبحة أسرية هزت الرأي العام، حيث أردت زوجها ووالدتها وابنتها قتلى برصاصات غادرة، مدعية أمام القضاء أنها كانت “تستهدف القط” لا عائلتها.
لغز القبو: ما الذي وجدته لجنة التأميم؟بينما كانت بهيجة تقبع في مصحة عقلية بالخارج، كانت القاهرة على موعد مع صدمة كبرى.
فبعد ثورة يوليو، وأثناء قيام “لجنة التأميم” بفتح قصرها المهجور، لم يجدوا أثاثاً فاخراً فحسب، بل وجدوا “مسلخاً بشرياً”:
هياكل عظمية: جثث لفتيات وأطفال معلقة بسلاسل في القبو.
ضحايا من القلم: بقايا لصحفيين اختفوا لسنوات، تبيّن أن القصر كان محطتهم الأخيرة.
طقوس الدم: غرف سرية لممارسة “السحر الأسود”، جدرانها ملطخة بطلاسم كُتبت بدم الضحايا.
النهاية: جريمة في زنزانة مغلقةلم تكن نهاية بهيجة في المصحة أقل رعباً من حياتها؛ ففي أواخر السبعينيات، وُجدت جثتها داخل غرفتها الحصينة وهي مخنوقة ومنزوعة العينين.
لم يُعرف الفاعل، ولم يفسر الطب الشرعي كيف تمت الجريمة في مكان يخضع لرقابة مشددة، لتغلق صفحة “هنريت كوهين” على لغز سيظل يلاحق تاريخ السينما المصرية كظلها الأسود.
“إن قصة بهيجة المهدي ليست مجرد سيرة ممثلة رحلت، بل هي تذكير بأن خلف الستائر المخملية قد تقبع أهوال لا يستوعبها عقل بشر.”